غير مألوف

١٦ نوفمبر ٢٠٢٥
alaa
غير مألوف

غير مألوف

بقلم: د. آلاء أسعد فرغلي

دكتوراه في الإدارة التربوية_تخطيط التعليم واقتصادياته

تثبت الحقيقة بطريقتين إما من خلال دليل يظهرها أو عبر مرور الزمن فمرور الزمن قد يثبت او ينفي وجود حقيقة ما، وبالنسبة للمنهجيات العلمية تعد السلاسل الزمنية (Time series) من النماذج التي تظهر الحقيقة عبر مرور الزمن من خلال تتبع الظاهرة خلال سنوات عديدة قد تمتد لــ 50 عامًا فأكثر. ومن الغريب أن تشبه السلاسل الزمنية عملية الابداع لحد كبير فالإبداع ليس هدفا لحظيًا، ومع أنه يحدث فجأة حيث تطفو الفكرة للسطح وتعبر عنها اللغة فجأة، ويكون ذلك مصحوب بانبعاثات غير مفسرة من أشعة غاما إلا أنه يحتاج لعمليات متتابعة ومطولة عبر الدماغ؛ فالإبداع هو سلسلة زمنية تمرّ بالتحضير، ثم الاحتضان فالإلهام ثم التحقق، وتعتمد كل مرحلة في الإبداع على شبكة عصبية مختلفة، لذا فهو عملية دينامية متحركة وليست ساكنة.

ويتنوع الإبداع فالفنان يستخدم شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network (DMN) حيث إنها الشبكة المسؤولة عن التخيل، والربط العشوائي بين الأفكار، وإنتاج الأفكار الجديدة، وهكذا يعتمد في إبداعه على الخيال، أما المحلل فيعتمد أكثر على الشبكة التنفيذية (Executive Control Network) وهي المسؤولة عن تنظيم الأفكار وتقييم الفكرة الجيدة من السيئة واتخاذ القرار وهي بذلك تنقح الإبداع وتحوله لشيء مفيد والمبدع الحقيقي هو من يستطيع دمج النوعين معًا وذلك عبر شبكة التفاعل والانتباه (Salience Network) التي تنظم وتقرر وتوزع الأدوار، ومما يلفت النظر أن الابداع مقرون بعملية تثبيط الرقابة على الافكار فنجد أن الفص الجبهي للدماغ ينشط بشكل كبير بحيث يسمح لتدفق الأفكار بشكل سلس ودون رقابة أو أحكام ذاتية وهو يشبه الاستسلام لسيل الأفكار، لكن هذه الأفكار تظل حبيسة دماغ صاحبها ولا يوجد ما يدل عليها إلا إن عبر عنها بـ"اللغة"، وأول ما يخطر ببالنا اللغة هي الحديث الذي نبثه عندما يطرأ في ذهننا أمر ما لكن اللغة هي أعمق وأوسع مما نتخيل...

فلغة الصور هي اللغة العالمية التي يمكن التواصل بها مع كل البشر وبشتى اللغات وتنقل مفهوم أو منظور الفنان الذي أبدعها، بل ربما تنقل مشاعره وما يشعر به مثل ما نقلته لوحة الغرنيكا لبيكاسو حيث كانت قتامة ألوانها وصورها المخيفة، ورمزيتها المبطنة تنقل الفكرة والاحساس عند قصف الطائرات لقتل الأبرياء، كذلك من الممكن أن تثير الحيرة مثل ما تنقله لوحة الموناليزا، أو التماثيل التي يخيل لك أنها تنظر في كل اتجاه من آثار الحضارة المصرية القديمة، كلها كانت أفكار في رأس وقلب صانعها حتى خرجت للنور وعبر عنه بأعمال واقعية.

وهذا يدل على أن تواصلنا مع العالم لا يكون بشكل مباشرًا بل من خلال وسيط هذا الوسيط هي اللغة سواء كانت منطوقة أو مسموعة أو مرئية أو محسوسة، وهذا ما أشار إليه هايدغر حيث قال: " اللغة هي بيت الوجود!"، وحتى الطفل حينما يتعلم كلمات جديدة فهو لا يتعلم مجرد أسماء بل يبدع خرائط عقلية جديدة، وتتوسع المنطقة الجبهية بشكل كبير لدى الأطفال وهي المسؤولة عن نمو اللغة حيث تظل تنمو لسن معين ثم تتوقف لذلك نلاحظ أن الأطفال الذين تتحدث إليهم أمهاتهم في سن مبكره أو تروي لهم قصصًا لا تنمو الحصيلة اللغوية فحسب بل تتطور قوة الابداع لديهم فالإبداع لا تشكل العوامل الوراثية منه سوى 40% تقريبا أما بقية النسبة المئوية لتباين الإبداع فتعتمد على البيئة والمحيط، ويؤيد دولوز في فلسفته ذلك حيث يرى أن الأفكار هي أحداث تحدث وهي ليست من الفرد بل جزء من حقل انتاجي أوسع والتفاعل مع الواقع هو ما ينتجها، وكلما كانت البيئة أكثر تشددًا وانغلاقًا كلما كممت الإبداع أكثر لأن الهرمون المسؤول عن الابداع هو نفسه هرمون التعلم "الدوبامين" وهو الذي يجعلنا نشعر بمتعة التعلم، والعكس في البيئات القاتلة للإبداع فهي تحد كثيرًا من النمو العصبي لدى الصغار، و تثبط افراز "الدوبامين" وتعزز إفراز هرمون الخوف أو ما يعرف بـ"الكورتيزول" الذي يثبط نشاط القشرة الجبهية الأمامية، ويغلق هذه القدرة الابداعية تدريجيًا، وفي نفس الوقت يعزز من عمل اللوزة العصبية التي بدورها تركز على الهروب أو النجاة وليس الابتكار.

وينطبق ذلك أيضًا في بيئات العمل فالبيئات المتشددة أو التي يتصف القادة فيها بالنمط الديكتاتوري المتشدد حيث تعد بيئات قاتلة للإبداع بالنسبة لموظفيها، وعلى الرغم من أن الذين يرفضون الفكرة المبدعة بدون نظر أو دراسة يتعللون بالمخاطر التي تنجم عنه، إلا أنه مبرر غير جيد من الناحية الأخلاقية؛ فالإبداع نفسه يحمل في طياته المخاطرة، ولكن الإحجام الغير مدروس عنه يدعى بجُبن المواجهة حيث إن الخوف من مواجهة الواقع وابتكار الحلول وتجربتها أصعب بكثير من مجرد الانكار والتعلل بالمخاطر التي قد يخلقها تبني فكره جديدة، وعادة ما يعبر عن ذلك بعبارات مثل "فكرتك كبيره علينا" أو "فكرتك أقل مما نطمح" أو "دعنا نؤجلها لمرحلة تالية"، أو "ما عندي استعداد أسمع أكثر"، هي نفس القيم التي تهدم الصبر والصدق والإخلاص وهذا يؤيد فكر نيشته حيث وصف الإبداع بأنه إعادة النظر بالقيم، مثل العمل الدقيق المتكرر، وثبات الأداء، وتقديس الروتين، وهي ذاتها الممارسات التي تمنع تكوين روابط عصبية جديدة لدى الاطفال، وتحرمهم من المرونة المعرفية (Cognitive Flexibility) العالية التي يمتلكها المبدعون، وهي القدرة على تغيير وجهة النظر، أو تغيير الزاوية الاستراتيجية بسرعة، وهي مفيدة حتى في أصعب المواقف إذ تجعل الفرد يفكر أو يعرف كيف يوجه تفكيره. أيضًا يرى نيتشه أن الأفكار أدوات قوة وهي تأويلات يعبر من خلالها الانسان عن إرادته وقوته ولوجود للحقيقة المطلقة، ولا يعني ذلك رفض الانسحاب الشجاع حينما يكون الانسحاب هو القرار الصحيح، بل من الممكن أن يكون الانسحاب مبدعًا ومظفرًا مثل ما حدث في "انسحاب النصر" بغزوة مؤته حيث انسحب الجيش الاسلامي بقيادة الصحابي القائد: "خالد بن الوليد" رضي الله عنه، وذلك بحثو الرمل على أقدام الخيول ليخيل للعدو بقدوم المدد، ويُعبر عن الاقدام بدلًا من التراجع!! وهنا يربط هوسرل الأفكار بالهدف منها فالفكرة قصدية وليست بريئة وهي مرتبطة بالعالم الخارجي وليس الوعي الداخلي فقط.

ومن وجهة نظري تعد الأفكار الأساس الذي يستند عليه التفكير، قل لي ماهي أفكارك أقل لك كيف تفكر!! وبالنسبة لأفلاطون تمثل الأفكار عالم المُثل وهي الحقائق الأزلية التي كانت موجودة في العالم الاسمي قبل أن نُولد وما يضيفه لنا التعلم هو محاولة استرجاع تلك الافكار لذا فنظم التعلم لدى أفلاطون تعتمد على توليد الأفكار والتذكر لأن التعلم هو التذكر وما نحتاجه هو شحذ المعرفة، أما بالنسبة لأرسطو فهو يعتقد أن الأفكار ليست لدينا أساسًا وأننا ولدنا ونحن صفحة بيضاء، ونبدأ في التعلم من خلال الحواس المجردة، فالأفكار هي تجريد للعالم المادي من حولنا فحسب!! لذا علينا أن نركز على التعلم بالاكتشاف والتجربة، أما ديكارت فيرى أن الأفكار فطرية وهي الموجودة في العقل مسبقا مثل فطرة الايمان بالله الخالق او الأشكال الرياضية أو مكتسبة نحصل عليها من خلال التجربة، والتعلم، أو مصنوعة من الخيال ليست من خلال التجربة بل ربما تكون بعيدة عن الواقع تمامًا ومحض خيال، أما كانط فيقول بأن الحواس تعطينا المادة الخام للأفكار والعقل هو ما يعطي الشكل مثل الحجم اللون والزمان.

خلاصة الأمر، إنها حرب الأفكار ولغتها التي تعبر عنها، فقد تكون الأفكار متضادة ولكن ليس بالضرورة أن يكون أحدها خاطئ والآخر صائب، كما أنه ليس شرطًا أن تكون الأفكار المتشابهة تدعم نفس الرأي، فعلى سبيل المثال، عبارة أن " الإنسان حر" أطلقها أرسطو وسارتر بنفس اللفظ اللغوي لكن الرأيان مختلفان حيث يرى سارتر أن الانسان حر حرية مطلقة بلا حدود، وهذا ما يجعلها عبأ عليه لأنها مسؤولية، اما أرسطو فيرى أن حرية الانسان مقيدة بقيود طبيعته الانسانية والتي تحثه على فعل الخير، الحقيقة أنه مهما اختلفت وجهات النظر حول طبيعة الأفكار وماهيتها وكيفما اختلفت طريقة التعبير عنها فإن الأفكار تظل الحقيقة المغيبة حتى تظهرها اللغة، وهكذا قد ينتظر الانسان لسنوات حدوث أشياء يتمناها لأنه يعتقد أنها ستسعده وفي الحقيقة يمكنه اسعاد نفسه، وقد يظل يلوم نفسه لسنوات على خطأ حصل منه وهو قادر على فتح صفحه جديدة وتجنب الألم، وقد يتحسر لفوات فرصة ويقف دون تحرك ليعوضها ناسيًا قول الله تعالى: " وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" (سورة النجم-39) أحيانًا نبحث عما يحررنا ونجهل أن ما يحررنا هي أنفسنا!!