مهد الطفولة
بقلم: د. آلاء أسعد فرغلي
دكتوراه في الادارة التربوية-تخطيط التعليم واقتصادياته
كثيرًا مانسمع عن تشبيه حياة الإنسان بصفحات الكتاب؛ فكل صفحة تمثل يومًا من أيام عمره، وكل سطر يروي حدثًا من أحداث حياته، لكن لم نحاول أن نسأل أنفسنا يومًا عن صحة هذا التشبيه!! وهل الصفحة التي تُقلب لا يُمكن استرجاعها أو لا يؤثر حبرها على الصفحات التي تليها؟؟ ولماذا تكون حياة الإنسان ككتاب؟؟ لِمَ لاتكون كبكرة من الخيوط تلتف على بعضها البعض بتقادم حياة الإنسان، وتؤثر الانحناءات في مركزها الداخلي على شكلها الخارجي وتتوقف عن اللف بإنتهاء حياة الإنسان، وتشبه نهايتها نهاية الإنسان الذي يلفه الكفن. وإذا كان الإنسان البالغ يرى نفسه أرقى من الطفل، فلم لا تكون حياة الإنسان البالغ مهمه كالتاريخ عند هيغل!! هيغل القائل بأن مجرى التاريخ كمجرى نهر يزداد عمقًا كلما ازداد تدفق المياه فيه!!
وفي الحقيقة أجد من المبالغة أن نطلق كلمة تاريخ الإنسان على أحداث حياتنا، فمن الممكن أن نعيش ونموت بلاتاريخ! واليوم تطل علينا وسائل التواصل الإجتماعي بأحداث يومية غير مهمة، وتوثقها باعتبارها تاريخا!! وحتى إن اجتهد أحدهم في كتابة مذكراته معتقدًا أنها تاريخ فهي لاتعدوا أحداث فقط، فماهي الإضافة التاريخية التي أحدثها في استيقاظه الساعة السادسة صباحا، أو احتساء كوب القهوة بعد الظهر، وربما صورها على موقعه في التواصل الاجتماعي كستريك أو وضعها في قصته!! مالجديد؟ الواقع أن مايصنع التاريخ هو المسؤولية والعمل فقط، وليست هذه الأحداث!! وإذا أخذنا زحام الروتين اليومي بدون هدف واضح ربما سنغدو أطفالًا يعيشون أحداثًا ولا يسجلون تاريخًا، فنحن ندرس سير العلماء والمفكرين ونتعرف على أحداث حياتهم غير المهمة مثل تاريخ مولدهم ونشأتهم من أجل تاريخهم!!
ومن وجهة نظري يبدأ عمر الإنسان من الصفر وينتهي بالصفر!! وقد تتفقون أو تختلفون معي لكنها تظل وجهة نظر! بل وجدت أن وجهات النظر تتباين حول الصفر الذي بدأت منه الحياة، ولأعرف أصل التباين توجهت للغة فاللغة لاتكذب، فكلمة "طفل" بالفرنسية تُعرف بـ "enfant" وهي مأخوذه من مصطلح لاتيني "infans" ويعني لا للكلام؛ فإذن الطفل هو الكائن الذي لا يتكلم، ونفس اللفظ يعني باللغة الانجليزية "الشقي"!! فهل الأطفال في عالمنا ولدو للخرس والشقاء؟! بل إن الطفل في اللغة اليونانية يُشار إليه بمصطلح "pais " وهو نفس المصطلح الذي يطلق على العبيد!! وكان الأمر في اللغة العربية أقل وطأة فكلمة طفل تدل على كل ماهو رخّص وصغير وناعم كدلالة على الدلال والرقة.
ومن وجهة نظري أرى أن أساس ذلك هو الفلسفة التي لم تكن منصفة للطفولة في بدايتها، وكأن الفلسفة الحكيمة جدًا همشت الطفولة البريئة اللامنطقية في احتياجاتها، وردود فعلها، وتفسيراتها، وأظن لو كان الأمر بيد الفلاسفة لألغوا مرحلة الطفولة وأختارو أن نُولد بالغين عقلاء، ولكن بما أنه لامناص من مرور الانسان بمرحلة الطفولة فلتكن أداة! فبحسب أفلاطون صاحب المدينة الفاضلة تعد الطفولة لبنه في بناء المواطن الصالح، وربما هي نظرة أفضل من رؤية أرسطو الذي لم يرى الطفولة شيئًا جوهريًا؛ فالطفولة لاتعدو مرحلة من الزمن مُكرسه لخدمة النمو ليغدوا الفرد مواطنا صالحًا، بل إن فيثاغورس سبقهم بإعتقاده أن الطريقة الصحيحة لتعليم الطفل هي شبيهه بالغرق والسباحة حيث إن الأطفال عليهم أن يتعلموا الأشكال الأساسية من مثلثات، ومربعات، وغيرها، ومن ثم يُعملوا فكرهم وعقلهم ليصلو لتعلم "الرياضيات" لغة الإنسان الخالدة من وجهة نظر فيثاعورس حيث يرى أن رمزياتها لا تلتصق بعقولنا أو "أدمغتنا" إن صح لي أن أقول، وإنما تلتصق بأروحنا، وكل ما علينا عمله هو محاولة تذكر الحقائق فقط، فمن لايتقن المنطق لايتعلم. وحتى رائد الشكوكية ديكارت صاحب مقولة :"أنا أفكر إذا أنا موجود" اعتبر الطفل كصفحة بيضاء يبني معرفته من خلال التفاعل مع البيئة المحيطة وهو مبدأ جون لوك في الحقيقة لكن ديكارت لأنه شكوكي جدًا أضاف بأن هذه المعرفة التي يكونها الطفل عن محيطه غير حقيقية وعليه أن يهدمها ويعيد بنائها!! أي أنها ليست ذات قيمة بالنهاية!! أما سبينوزا الذي لم يكن لديه أطفال ذكر أن الطفل حينما يقابل عدد من الاشخاص فإنه يربط الموضوعات بشكل معين، وهذا مايشكل معرفته، وهذا ما اعتبره ربط بدائي!!
الحقيقة أن نظريات التعلم والاهتمام بالطفل بدأت منذ أن اعتبر جان جاك روسو في كتابه "إميل" الطفل كائن بريء ويستحق الحماية من لوث الحضارة الحديثة، وله أراء تًذكر كولادة لطور جديد لتفهم هذه المرحلة. واليوم أخيرًا تشكل وجه ما نسميه اليوم بالتربية الحديثة حينما انقلبت الفلسفة رأسًا على عقب حيث لم يعترف الفلاسفة بمفهوم الطفولة باعتباره إطار فقط لتقييد امكانيات الطفل، ولأنه أداه ظهرت مع موجة الحداثة يقوم من خلالها البالغين بإخضاع الأطفال، وإلا فالطفل لدية عقل، ووعي، وحس، ولمرحلته الطفولية أهمية بالغة وقصوى!! وحرروا مفهوم فلسفة الطفولة ليكون لب الفلسفة الحقيقي؛ فبرأيهم فهم فلسفة الطفولة هو فهم للفلسفة نفسها حيث تتقاطع الفلسفة مع المنهجية والتعليم لتشكل تفاعلًا يوضح لنا كيف كانت قصة هذا التقاطع منذ عقل الانسان الأول: عقل الطفل الصغير. واليوم نشهد ممارسات تعظم من قيمة الأطفال وتهمش دور البالغين إلى حد كبير ومما ألاحظه أن هذه الممارسات هي ردود فعل لبدايات الفلسفة التي أهملت الطفولة، وهذا يذكرني بمفهوم هيغل عن التاريخ على أساس أنه إطار عقلاني وموجه يتمثل في سلسله من الأفعال وردود الفعل، وأضيف أن النضج الحقيقي يتم من خلال الخروج من هذه الصراعات الفلسفية بتجاوز الأفعال وردود الأفعال، والتركيز على ما هو متوازن، وصحي، وصائب.
وأنا أعتقد أن الطفل هو تاريخ المستقبل، وصدى صوت اليوم، وهو الخيط الذي لاينقطع فلنرى في أطفالنا التاريخ الذي لم يكتب بعد
فكل منا بداخله طفل صغير