مشروع إنسان

٣ أكتوبر ٢٠٢٥
alaa
دورات تدريببة دورة الإبداع المؤسسي في المنظمات كورسات تعليمية
1

مشروع إنسان


بقلم: د. آلاء أسعد فرغلي


دكتوراه في الادارة التربوية-تخطيط التعليم واقتصادياته

نغضب ونشعر بخيبة أمل حينما نبذل جهودا لاتؤتي ثمارها، وللأسف ليست النتائج من تحبطنا بل توقعاتنا هي من يقتلنا إما لأننا غير مستعدين، أولانملك المرونة لتقبل الواقع الذي عاكس كل تلك التوقعات، وربما ليست لدينا خطط أيضًا؛ تأملت في قول كونفوشيوس:"التأمل في النهاية، يجعلك تحسن البداية" وكأن النتائج أو الأهداف هي من تجعلنا نسعى أو بمعنى أصح نحيا، والواقع أن قلة هم من يتقبلون الخسائر الحتمية، ويصنعون منها فرصًا للنجاح....

ويشبه ذلك ظاهرة التذهيب (Golden Plating) في إدارة المشاريع وتحدث عندما يبذل مدراء وأعضاء المشاريع جهودهم في خلق مزايا إضافية للمنتج معتقدين أن ذلك سيسعد العميل، ولكن جهودهم تذهب سدى، ولا أحد يريد "سدى"!! و"سدى" بالمناسبة هي تلك الناقة التي بلغت من العمر عتيًا فأطلقها أصحابها لتهيم على وجهها، وترعى في الصحراء بلا هدف؛ فعلاوة على خسارة الوقت، والجهد، والتكاليف، النتائج لم ترضي العميل، وذهبت كما ذهبت سدى....

جميل أن نمتلك هدف والأجمل أن تكون لدينا القدرة على تغيير طرق السعى للهدف، أو تغيير الهدف نفسه وكأننا نجري عمليات هندرة (Reengineering) لإعادة قولبة مفاهيمنا وحياتنا، لابد أن تكون لدينا المرونة لتقبل الخسائر الحتمية، وأقول حتمية لأنها فُرضت علينا بحتميتها وليس بسبب تقصيرنا،فكثيرا ما نبذل ونخطط ونتحرك لكن تلاحقنا الخسائر الحتمية بأقدار فيها حكمة! فكثير من الفرص أو التي نحسبها فرص تظهر لنا لماعة براقة، وهي لاشيء في الحقيقة!! مثل ظاهرة مشروع البطيخة (watermelon project) حيث تبدو البطيخة خضراء لكن في داخلها تحمل اللون الأحمر لون الخسارة والدم!! كثيرا ما تشبه المشاريع حياتنا، بل أشك أن عالمنا يكاد يكون كمشروع كبير نحن نعلم أن له بداية ونهاية لكن أنشطته وأحداثه مرتبة من لدن خالقها، وكأننا ولدنا لنموت، ونبدأ لننتهي وهذا هو مشروع الانسان...

ويعتقد الكثيرون أن أن الإنسان حينما يسلب وقته في إجترار الماضي، ولا ينظر للمستقبل فإنه لاعقل له، مع أن الماضي قد يعطينا دروسًا للحاضر والمستقبل (Benchmarking) لكن عبثية التفكير هي من تقلل من قيمة النظر والتأمل في الماضي فحينما ننظر للماضي تأسفًا فنحن نرفض النهايات، فلا يمكننا انكار حقيقة أننا نريد حياة وردية،مثل البطاقة البَنكية البِنكية!! وديمومة أبدية لا تنتهي وفي اللاوعي نحن نبغض المشاريع لأنها تذكرنا بالنهايات! حتى وإن أدعينا وعقلنا في الظاهر أنها أداة للتغيير ونموذج للنجاح، وعلامة على الوعي المتفوق!! فهي ليست مؤقته فحسب بل مقيدة بقيود التكاليف والوقت والنطاق بل وتهدف للتغيير!! وربما يعتبرها البعض جزء مرهق، وربما إذا كان ممتع فنحن حتما سننتألم عند نهايته، وإن الألم الذي يأتي عند النهايات ماهو إلا إنكار يحمل عدم تقبل في أقل درجاته؛ بل حتى الفلاسفة تهربوا من النهايات الحتمية حيث يذكر هيغل: "كل نهاية تحمل في داخلها بذرة بداية جديدة، فالنهاية ليست سوى لحظة في حركة الروح"، لكن ربما نحب النهايات متى ماكانت إختيارًا، لأننا نعتقد أننا سنبدأ من جديد عندما نختارها، فنحن لانحبها لذاتها أيضًا بل لأننا سنبدأ، أما الواقع فيقول أن قلة هم من يتقبلون ويقدرون النهايات الحتمية، ويصنعون منها فرصًا للبدء من جديد...

وكما أن المشاريع عادة ماتقود للتغيير كذلك حلقات حياتنا، وأحداثها فكل حلقة تفضى لحلقة أخرى، وكل يوم يحمل نموذج أحداث يتسارع ليحدث فرقًا طفيفًا، وقد يؤدي بالنهاية لإنقلاب الحال كما في "نظرية الفوضى" (Chaos theory) أو مايعرف بتأثير جناح الفراشة حيث تقول النظرية أن حركة جناح في شرق الأرض قد تؤدي لحدوث إعصار مدمر في غرب الأرض، وفي ظل هذا المفهوم يظل نموذج التنبؤ الانساني عاجزًا عن فهم هذا التغيير، فحتى خبراء ادارة المشاريع وقادة التغيير يقولون بأنه لاتوجد وصفة للهيكل الاجرائي الأمثل الذي يمكن أن ينجح مشروعك هل هو المخطط الهيكيلي أم الهيكل المشاريعي أم مصفوفات الهياكل الاجرائية، قطعا لانستطيع أن نقرر لكن الظروف والملابسات والأحداث هي من تقرر!!

وللأسف على الرغم من معرفتنا بكل هذه الحقائق والنظريات إلا أننا أحيانا نتجاهل هذه الحقيقة الفوضوية، ونتعامل مع الأحداث، وكأنها خُلقت لتحدث تغييرًا ما فقط، وننشغل بهذا التغيير الذي حدث، ونتجاهل الدرس الذي تريد كل حلقة من التغيير إيصاله لنا، فوراء كل خدث رسالة، نحن ننشغل بالأحداث ولا ننظر للرسائل ومصداق ذلك قوله تعالى: "وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ."(216،سورة البقرة)، وهكذا نعود للحلقة الأولى في فهم مشروع الانسان، وهي حلقة التعلم فحينما نتعلم نعلم أن الأشياء الصغيرة قد تصنع فارقا كبيرًا، فنحن ربما لا نواظب على العادات الصحية كل يوم لأننا نحبها لكن لأننا نعلم المغزى من ورائها وكذلك هي حياتنا حيث نظل عاجزين عن الاستمتاع بالحياة لأننا لانعرف كيف يعمل مشروع الانسان، ولن يحب الإنسان حياته إلا إذا وضع له غايه تجعل منه مشروعًا....