مستقبل وطن
بقلم: د. آلاء أسعد صديق فرغلي
دكتوراه في الإدارة التربوية-تخطيط التعليم واقتصادياته.
تعد القوى الاقتصادية مهمة حيث تسهم التدفقات النقدية وارتفاع أسعار العملات في تسيير حياة الإنسان البسيط، ولكن بشكل أوسع هي رصيد بناء المجتمعات وثمره جهود الدول لتحقيق الأهداف التنموية، لذا ينظر المعنيون بالخطط التنموية للجانب الاقتصادي على أنه جانب مهم لدعم المشاريع الوطنية، وبدونه لا يمكن الحكم على جدوى مشروع ما؛ الحقيقة ما دفعني للكتابة هي ذكرى هذه الأيام التي تشهد ولادة العام الخامس والتسعين لقيام الدولة السعودية على يد القائد الملهم جلالة الملك عبد العزيز آل سعود-رحمه الله- في وقت تتسارع عجلة نمو الاقتصاد السعودي بشكل غير مسبوق لاسيما في القطاعات الغير نفطية حيث ساهم القطاع الغير نفطي بنسبة 55% من الناتج المحلي الاجمالي في عام 2024م، وهذا في إطار تحقيق الرؤية الجبارة الداعمة لاستدامة الصناعة لسمو سيدي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-.
الاستدامة هي ما نبحث عنه أو بلغة صريحة أكثر هي ما ينقصنا! وهي حقيقة لا يمكن إنكارها فمهما بلغت قوة الموارد الاقتصادية وهيمنتها إلا أنها تظل خاضعة لقانون (الاستخدام)، و(التوظيف)، و(الفناء)، وكما يقول غاندي: "الأرض توفر ما يكفي لتلبية احتياجات كل إنسان ،ولكن ليس لجشع الإنسان"، إذا سنعود للمربع الأول وهو فكر وشعور الإنسان الذي لابد أن نعتني به قبل التفكير في تجديد الموارد الاقتصادية، فهل فكرنا اليوم يجعلنا مستديمين أم منتهين الصلاحية!! نحن نمتلك منجما ومعولا وأيدي شابة ونريد من الفكر الذكي أن يحولها لاستدامه اقتصادية!!
واليوم بالذات أثبت الفكر السعودي أنه جبار فتاريخ اليوم يتزامن مع إعلان الفيدرالي جيروم باول عن خفض الفائدة بمعدل 25 نقطة، ومع أن هذا يمثل خطوة ايجابية إلا أنه أكد أنها ليست استراتيجية-الأمر الذي لم يعجب المستثمرين- فالمستقبل ضبابي من واقع أرقام تقارير التضخم والبطالة ووو....إلخ، وأمام ذلك تراجع الكثير وعلى رأسهم وكالة الطاقة الدولية بل وسارت في اتجاه معاكس محذرة من خفض الانتاج النفطي، وهو ما حذر منه سابقًا -قبل عامين تقريبًا- سمو سيدي وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان- حفظه الله- وسبقهم بخطوة كمثال على الفكر السعودي الجبار، والعظيم!
وعلى أي حال، لا يمكن أن نطور الفكر بشكل مستدام في أي ميدان سوى التعليم؛ صحيح قد تتطور الأفكار بتهيئة البيئة الحاضنة لها لكن يظل الجزء الأهم مبتور، وإذا كنا نريد الاستدامة فلابد أن نفكر بالحلول الاستراتيجية ولن يكون الفكر إستداميًا- كما يحلو لي القول- إلا لو عملنا باستدامة ونظرة طويلة الأمد ... لذا نتجه لمعقل الفكر الأول: التعليم!!... وبعيدًا عن مفاهيم الكفاءة والفعالية الاقتصادية يحتاج التعليم لفكر تربوي فريد وادارة مختلفة عن إدارة القطاعات الأخرى، ولو أمعنا النظر سنجد أن مخرج التعليم (البشري) هو مدخل القطاعات الأخرى. وكان آدم سميث من تحدث أولًا في كتابة "ثروة الأمم" عن علاقة الاقتصاد بالتعليم، ومن أشهر ما قال: "ليس من إحسان الجزار أو صانع الجعة أو الخباز أن نتوقع عشاءنا، ولكن من حرصهم على مصالحهم الذاتية"، لذا نحن من خلال دعم المشاريع الوطنية الفردية الناشئة فنحن لا ندعم أفراد، بل ندعم مجتمعًا.
النظام التعليمي السعودي هو الذي يزودنا بهذا الفكر الإستدامي الأصيل، واشدد على (السعودي) لأن الفكر الأصيل لابد أن يُولد أصيلًا، ومع ذلك لابد ان يتقبل المتغيرات الحاصلة على الساحة حيث نشهد عصر ريادة الأعمال، وهنا لا نكتفي أن تكون متعلم بل لابد أن تكون احترافي ومفكر بامتياز، وهنا أتذكر مقولة روبرت كيوساكي كاتب الأب الفقر والغني :"يجب التركيز على تحويل طريقة تفكيرك من "الفقير" إلى "الغني" عبر بناء الأصول بدلًا من شراء الالتزامات، وجعل المال يعمل لصالحك لا أن تعمل أنت من أجله"!! وهو بالضبط نفس الفكر الذي قاد البشرية لاختراع الذكاء الاصطناعي. فهل تتغير المعادلة ويصبح الإنسان يعتمد على الآلة، وهل سيظل الإنسان بما يحمله من فكر ومهارة وحس لا يمكن تقليده بخوارزميات آلية لابديل له!!
الحقيقة هي أننا لا نعلم ذلك قطعًا لأن هذا أمر يُناط بالمستقبل، ولكن من وجهة نظري أؤمن بأن "قديمك نديمك" وهذه ليست مغالطة أو تناقض وإنما هي وجهة نظر ستثبت الأيام صحتها؛ نعم لا يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كليًا لا لأنه لا يعمل بكفاءة، بل لأنه لا يمكننا الوثوق به، حيث سمح لنفسه بتوجيه قاصر نحو الانتحار، فللأسف الحس الإنساني لا يمكن تقليده أو شراءه، وأقول بثقة ظل الإنسان وسيظل العنصر الأساس في إدارة وتوجيه وتسيير تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل إنه من يفكر في توفير الموارد التي تدعم نمو تقنيات الذكاء الاصطناعي مايزيد من تحديات الطاقة في العصر الحالي حيث إن صناعة الذكاء الاصطناعي لازالت تتطور وتحتاج لموارد طاقة لا تنضب، فخوارزمياتها يجب أن تعمل على مدار الساعة حتى لا تقطع حبل أفكارها، وتظل أفكارها متسلسلة وتتطور بشكل غير مسبوق، ربما لا يفي النفط أو الفحم الحجري بتغطية هذه الاحتياجات، لذا بدأ التوجه اليوم نحو المعادن الأرضية الثمينة التي توفر الطاقة بشكل مستمر، وكيف أصبحنا نرى المتداولين يتطلعون إلى مؤشرات المعادن الأرضية كاليورانيوم والليثيوم والنحاس والأنتيمون...بدلًا من الذهب!! نؤمن أن التحديات جبارة لكن ثرى الجزيرة معدنه ذهب لا يلين ولن يصدأ، ولن يهتز مهما طالته التحديات، وهنا لا أقصد ثرى الجزيرة الذهبي حرفيًا، إنما أقصد من ولدو من هذا الثرى، وعاشوا تحت هذه السماء الصافية وشربوا من مَعِين بئرها الصافي....عشت يا وطني عزيزًا...