عالم البكسلات

٢ ديسمبر ٢٠٢٥
alaa
عالم البكسلات

عالم البكسلات

بقلم: د. آلاء أسعد صديق فرغلي

دكتوراه في الإدارة التربوية- تخطيط التعليم واقتصادياته

لو تخيلنا أن العالم من حولنا عبارة عن مربعات (بكسلات) فسنبدأ في رسم هذه المربعات في كل شيء؛ في محيطنا، في الصور التي نتأملها، في المباني التي نراها تمر بنا في الطريق...بل في الطريق نفسه!! بحيث أن كل مربع يمثل قطعة من قطع البازل الذي يشكل الصورة التي نراها من حولنا بل حتى تفسير الظواهر والرسوم البيانية التي تسير بها نمطية ظاهرة معينة لابد أن تجزأ إلى بكسلات، وهكذا نبدأ في عملية القياس؛ فالبكسلات ليست طريقة لنرى الحياة بشكل ممتع او نتصورها كقطع مبعثره نعيد ترتيبها ونبدع، في الحقيقة هي أداه تقييد، وقياس لنقيس، وندقق ونطلق الأحكام، وهذا المفهوم هو جوهر طريقة المربعات الصغرى (Least squares method)، وهي أحد الطرق المعتبرة إحصائيًا في النظر إلى الرسم البياني فهي تحاول أن تحدد أفضل مسار لخط الرسم البياني بحيث يكون الخطأ أقل مايمكن؛ بمعنى لو تصورنا أن هناك ظاهرة مثل إستهلاك المشروبات الحارة خلال فصل الشتاء سنلاحظ ازدياد استهلاك المشروبات الحارة مع انخفاض درجات الحرارة أو هذا الحال المفترض أومانظنه صحيحًا وعندما نقيس هذه الظاهرة نجد أنه مقابل انخفاض درجة مئوية واحدة تزداد نسبة استهلاك المشروبات الحارة بنسبة 5%، فنجد ان العلاقة خطية ستبدو على شكل خط مستقيم يرتفع نحو الأعلى بانخفاض درجات الحرارة، لكن قد نصادف بعض القياسات الغير منتظمة فليس شرطًا أن تتحقق نسبة الاستهلاك الكاملة كل مرة بنسبة 5%؛ وهكذا يحدث خطأ القياس والذي سيمثل منحى غير منتظم، وبالتالي تتدخل البكسلات فعندما نجزيء الصورة إلى مربعات صغيرة فإننا سنعلم ماهو الاتجاه الأقرب للصواب لمسار ظاهرة معينه، ولكن ما أدرانا أن الصواب هو الصواب فعلًا!! وأن الخط المستقيم في مخيلتنا هو الصحيح!! هذا بالضبط هو جوهر الشك الذي يجعلنا نبحث باستمرار ونقنن نتائج العلوم إحصائيًا،فمثلا ما أدراني أن عينة المستهلكين تزداد استهلاكا للمشروبات الحارة هذا أمر يتعلق بتفضيل العميل فلربما يميل البعض لاستهلاك المثلجات الباردة في الأجواء الباردة، كذلك ما أدرانا أن النسبة الصحيحة هي 5% فعلا فقد تكون هذه النتيجة محض صدفة، ومن الممكن أن تتداخل متغيرات مؤثرة أخرى مثل القدرة الشرائية وأسعار السلع وتوفرها وتسويق التجار ومواسم الإجازة ووووغيرها، لذا عندما نحكم التحكم في كافة الظروف أو نعتقد ذلك فإننا نقول بفخر أن النموذج يتصف بالصرامة الاحصائية (Statistical Rigor)، ولماذا اقول نعتقد ولم أقل إنها الحقيقة، لأننا دومًا نكتشف الجديد، والجديد قد يغير مانعتقد أنه حقيقة مثل ما غيرت قفزة فيليكس نظرتنا لقوانين نيوتن التي أقررنا في وقت من الأوقات أنها حقيقة لانقاش فيها، أيضًا "منقار الأطباء" الذي كان يعد في فترة الأوبئة حماية للطبيب من الأمراض المعدية، عبر حمايته من الهواء الفاسد (الميازما)، ولكن النتيجة كانت عكس ذلك تمامًا؛ إذا كان سبب حدوث الخطأ أمور كنا نجهلها، والعلم نفسه يعترف بوجود الجهل في بعض المناطق المظلمة التي لم تراها عين العلم الإنساني؛ فتقر بقبول نسبة خطأ تصل إلى ١% في إحصاءات العلوم الطبيه و ٥% في العلوم الاجتماعية والتربوية والنفسية والاقتصادية. ومن وجهة نظري طالما أن هناك نسبة للخطأ فهناك نسبة من الشك لامُحال، وعلى الرغم من أن الشك يمثل حالة من عدم التأكد إلا أنه الشي الذي نظل متأكدين تمامًا من وجوده..بل إن الأخطاء الاحصائية نوعان: خطأ إيجابي من نوع ألفا (α) وهو الإقرار بوجود علاقة أو تأكيدها في حين أنها غير موجودة، وخطأ سلبي من نوع بيتا (β) وهو نفي وجود العلاقة أو الظاهرة في حين أنها موجودة...


وعلى كل حال، لايمكن انكار الشك بأي حال من الأحوال حتى لو استعملنا القياس بطريقة المربعات الصغرى او غيرها والتي استخدمت أساسا لتضييق مساحة الشك أو الخطأ، ومع ذلك أعطيت لهذا الشك مساحة من التواجد من خلال ما يسمى درجات الحرية (degree of freedom) وهي: مجموعة من القيم التي يمكن أن تتغير قيمها بحرية دون أن تؤثر على القيم الأخرى مع وجود القيود المفروضة مثل أن طول جرم ما لايمكن أن يكون يساوي صفر، أو أن الجلد سيحترق إذا تعرض لحرارة تفوق 40 درجة مئوية مثلا ...وهكذا....


ومع أن الشك (Doubt) الفلسفي هو موقف عقلاني جدًا فهو يحمينا من الخرافات أو الضلالات الغير مبرره، إلا أننا ننظر إليه بعدم الراحة أو كشيء غير مرغوب!! ولا أعرف لماذا؟! ربما لأن الطبيعة الانسانية تحب السلام والاستقرار وتفضل المعرفة التي تمثل الأمان وتهرب من الشك الذي يمثل الخوف. وفي الواقع نشهد ذلك في سلوكيات الكائنات قاطبة، مع أن الشك قد يكون خط البحث عن الحقيقة ففي حادثة شركة أنرون (Enron) وهي شركة أمريكية في قطاع الطاقة كان الشك هو الخيط الأول الذي كشف عن احتيال محاسبي كبير حيث أخفت الشركة ديون كبيرة وضخمت أرباحها بصورة غير أخلاقية إلى أن أعلنت الشركة افلاسها في 2 ديسمبر 2001؛ وكان أكبر افلاس في تاريخ الولايات المتحدة وفقد 25 ألف موظف وظائفهم وأدى ذلك إلى حل شركة آرثر أندرسن وهي شركة التدقيق التي كانت تراقب عمليات شركة أنرون بالتواطؤ؛ ونظرًا لوجود شكوك مسبقة فإن هذا الخطأ جاء نتيجة عدم التأكيد والمصادقة على عمليات الحوكمة المالية والمحاسبة المالية والقانونية للشركات، وهذا ما أدى لتغطية جوانب كنا نجهلها، إذن الشك لم يكن سببًا لحدوث الخطأ بل إن جهلنا هو ماأدى لحدوث الخطأ، وهذا النوع من الشك الممنهج (Methodical Doubt) ذكره ديكارت فليست الغاية منه نفي الحقيقة بل البحث عن الحقيقة اليقينية، فهو صاحب مقوله أنا أفكر إذا أنا موجود، وهو بذلك يشكك في الحقيقة التي نستقيها من حواسنا أو بشكل موروث بل يجعل هناك فرصة للتأمل والبحث عن المبررات وتصحيح المعرفة, وإمتدادًا له ظهر الشكل العلمي الذي يمثل الأساس العلمي الممنهج للمعرفة العلمية الذي لايقبل أي فرضية بدون دليل، وهو الاساس الذي تستند عليه في البحوث التجريبية.


ولكن هل يصح ان يكون الشك سببا للخطأ؟ من الممكن ذلك إذا ماكان مفهوم الشك يمثل الطبيعة المطلقة (Skepticism) فلايوجد هناك معرفة يقينية ففلاسفة مثل بيرون إيلي (Pyrrho of Elis) يقولون إن الحقيقة دائما نسبية وقابلة للخطأ، ولايوجد هناك شي ثابت، فهو يعلق الحكم (Epoché) حتى وإن شاهد الحقيقة بعينية ولمسها بحواسه فلانجزم بشيء لا بالنفي ولا بالإثبات، كذلك يرجح تبني الآراء بدلًا من تبني الحقائق (Isosthenia) فكل وجهة نظر لها الأدلة التي ترى أنها تدعمها، وفي نظره أننا حينما نتوقف عن محاولة إثبات الحقيقة بشكل يقيني فسنتحرر من القلق والخوف و نصل للسكينه (Ataraxia) ، وطبق بيرون منظوره حرفيًا حيث كان يسير في الطريق الوعره والخطيرة دون حماية لأنه باعتقاده المخاطر المشهودة هي أفكار سابقة قد لا تكون صحيحة!! ولولا تلاميذه لنالت منه مخاطر الطريق وهلك؛ وهنا الشك استخدم كأداه للتهور وإقرار الجهل المركب حيث إن الجهل المركب هو نفي الحقيقة بعد معرفة أنها حقيقة كما في قول الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه لمسيلمة الكذاب: "والله إنك تعلم أني أعلم أنك تكذب"!!


أخيرًأ، من الممكن أن يولد الشك النور وينقلنا للتفكير في الحقيقة، ويضيء لنا طرق العلم، وينفي درب الجهل، ويجعلنا نبدع أكثر فأكثر وذلك إذا ما أقترن بدليل واضح لا جدل فيه، أما الشك اللامنطقي المبنى على نفي الحقيقة لمجرد نفيها فهي يشبه حال النعامة حينما تريد أن تهرب فتدس رأسها في التراب لأن ماتراه هو الظلام والسكون فتشعر بالأمان في حين أنها تقف في ساحة الخطر!! لذا دائما أنظر للأعلى إنظر للنور، وأعلم أن: "فوق كل ذي علم عليم" {سورة يوسف (76)} وإياك في طريق سبقك إليه أحدهم أن تبدأ من الصفر، إياك أن تعود للبكسل الأول لأنك غالبًا ستضل الطريق!!

أبدأ من حيث انتهى الآخرون لأن الحقيقة تظل موجودة، وإن كانت ناقصة!!