‏كيف يتحول الإنسان إلى وحش

٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥
alaa
‏كيف يتحول الإنسان إلى وحش

«خذ شخصًا صالحًا وصادقًا ومحبًا وجرّده من الضروريات الأساسية وستحصل قريبًا على وحش لا يمكن التعرف عليه؛ سيفعل أي شيء للبقاء على قيد الحياة في ظل الضغوط الشديدة—يصبح الإنسان وحشًا في ثلاثة أسابيع من الضغط»


فارلام شالاموف - حكايات كوليما


ــــــ


ليست هذه نظرية أخلاقية ولا تحليلًا فلسفيًا مجردًا. إنها شهادة رجل عاش سبعة عشر عامًا في معسكرات العمل السوفييتية، حيث الجوع المزمن والبرد القاتل والعمل الشاق حتى الموت. شالاموف لم يكتب عن الشر بل عن التفكك. لم يصف انحرافًا أخلاقيًا بل انهيارًا بيولوجيًا. الإنسان في «كوليما» لا يختار أن يصبح وحشًا، بل يُختزل إليه.


الأخلاق تفترض قدرة على الاختيار. حين يجوع الجسد لأسابيع متصلة، حين يفقد الإنسان ثلث وزنه وتتآكل عضلاته، يتوقف دماغه عن إنتاج ما يكفي من الطاقة للتفكير المركب. ما نسميه «الضمير» يتلاشى لأن البنية العصبية التي تحمله لم تعد تعمل. ليس هذا استعارة. الجوع الشديد يغير كيمياء الدماغ فعليًا. القشرة الأمامية، المسؤولة عن التخطيط والكبح الأخلاقي، تخفت نشاطها حين ينخفض مستوى الغلوكوز. يتحول الدماغ إلى وضع الطوارئ survival mode، حيث لا أولوية إلا للبقاء الفوري.


شالاموف يحدد ثلاثة أسابيع. ليس رقمًا اعتباطيًا. هذا تقدير مبني على مراقبة مئات البشر وهم ينهارون بالتسلسل نفسه: الأسبوع الأول يبقى فيه الإنسان متماسكًا نسبيًا، يحاول الحفاظ على كرامته، يقاوم. الأسبوع الثاني تبدأ المقاومة بالتصدع، يسرق الخبز، يكذب، يخون رفيقًا للحصول على حصة إضافية. الأسبوع الثالث يختفي الشخص الذي كان. ما يبقى كائن بيولوجي محض، مدفوع بغريزة البقاء العارية، غير قادر على التعاطف أو التضامن أو حتى تذكر من كان قبل الانهيار.


المشكلة ليست في ضعف الإنسان الأخلاقي. المشكلة في افتراضنا أن الأخلاق مستقلة عن الجسد. نتحدث عن «القيم» و«المبادئ» كأنها حقائق ميتافيزيقية تطفو فوق المادة. لكن الواقع أن كل فكرة نبيلة، كل قرار أخلاقي، كل لحظة تعاطف، هي نتاج نشاط عصبي يتطلب طاقة. حين تنضب هذه الطاقة، تنهار البنية بأكملها. ليس لأن الإنسان «اختار» الشر، بل لأن الآليات البيولوجية التي تجعل الاختيار الأخلاقي ممكنًا توقفت عن العمل.


هذا لا يعني أن الأخلاق وهم. يعني فقط أنها رفاهية. رفاهية الجسد المشبع، الدماغ المستقر، البيئة التي تسمح بالتفكير فيما هو أبعد من اللحظة التالية. في ظروف كوليما، هذه الرفاهية غير متاحة. الإنسان هناك ليس «سيئًا»، بل معطّل. الفرق جوهري. السيئ يختار الأذى، المعطّل لم يعد قادرًا على الاختيار أصلًا.


الصدمة الحقيقية في ملاحظة شالاموف ليست أن البشر يصبحون وحوشًا تحت الضغط. الصدمة أن هذا التحول سريع ومنهجي وشبه حتمي. لا يحتاج إلى استعداد نفسي خاص أو ميل سابق للعنف. يحتاج فقط إلى تجريد الإنسان من الحد الأدنى المادي الذي تقوم عليه إنسانيته. هذا يعني أن ما نعتبره «طبيعتنا الأخلاقية» هش بشكل مرعب. ليس بنية صلبة بل توازن دقيق، يعتمد على عوامل خارجية أكثر مما نريد الاعتراف به.


وهنا تكمن المفارقة الأعمق. نحن نصف من ينهارون تحت الضغط بأنهم «وحوش»، لكن الوحش لا يعرف أنه وحش. الوحش لا يعاني من تناقض داخلي. من ينهار في كوليما يبقى يعرف، في مكان ما من وعيه المتآكل، أنه فقد شيئًا. لكن المعرفة وحدها لا تكفي. المعرفة بلا طاقة لا تنتج فعلًا. تنتج فقط ألمًا إضافيًا، وعيًا بالتفكك من دون قدرة على منعه.


ما يوثقه شالاموف ليس انحطاط الإنسان بل حدوده. الحد الذي تنهار عنده البنية العصبية التي تحمل ما نسميه الإنسانية. هذا ليس درسًا في الأخلاق بل في التشريح. ثلاثة أسابيع، يقول. ثلاثة أسابيع فقط بين الإنسان والوحش. المسافة أقصر مما نود أن نتخيل.