الطبيعة ليست معلما للأخلاق

٣١ يناير ٢٠٢٦
alaa
دورات تدريبية بشهادات معتمدة تطوير النغس  مقال الطبيعة مقابل الأخلاق

‏الطبيعة ليست معلّماً للأخلاق


حين ننظر إلى الانتخاب الطبيعي natural selection بوصفه القوة العمياء التي شكّلت أجسادنا وعقولنا على مدى ملايين السنين، نقع في إغراء خفيّ لكنه خطير: أن نستخلص من آلياته دروساً أخلاقية، وأن نرى في بقاء الأصلح مبرراً لما ينبغي أن يكون. غير أن ستيف ستيوارت-ويليامز في كتابه «القرد الذي فهم الكون» The Ape that Understood the Universe يضع إصبعه على هذا الالتباس حين يقرر أن «افتراض أن السمة إذا حظيت بتفضيل الانتخاب الطبيعي فلا بد أنها جيدة أو صائبة أو ملائمة، هو خطأ دائماً». هذا التحذير يطرح سؤالاً مزدوجاً لا مفر منه: ما العلاقة بين ما أنتجته الطبيعة فينا وما نسعى إليه؟ وإن لم تكن الطبيعة مصدراً للمعيار الأخلاقي، فمن أين يأتي هذا المعيار أصلاً؟


ثمة مغالطة راسخة في تاريخ الفكر تُعرف بـ«المغالطة الطبيعية»: الانزلاق من الوصف إلى المعيار، من «ما هو كائن» إلى «ما ينبغي أن يكون». الانتخاب الطبيعي لا يكترث بالعدالة ولا بالرحمة؛ إنه عملية إحصائية تُبقي على السمات التي تزيد احتمال التكاثر في بيئة بعينها. الأنانية والعدوان «طبيعيان» تماماً مثل التعاون، بل ربما أكثر رسوخاً. لكن التحرر من هذه المغالطة يُخلّف وراءه فراغاً مقلقاً: إذا لم تكن الطبيعة مرجعاً أخلاقياً، فما البديل؟ الفلاسفة يتنازعون هنا منذ قرون: بعضهم يرى أن الحقائق الأخلاقية موجودة موضوعياً في نسيج الواقع وننتظر اكتشافها، وبعضهم يردّها إلى أمر إلهي متعالٍ، وآخرون يعتبرونها بناءات بشرية صرفة لا وجود لها خارج عقولنا. رفض المغالطة الطبيعية وحده لا يقدم إجابة جاهزة. لكننا هنا نركز على تأسيس يمكن تبريره بأدوات متاحة للجميع، مؤمنين وغير مؤمنين، بدلاً من الافتراض المسبق لموقف ميتافيزيقي بعينه.


إجابة ممكنة تقترح أن المعايير الأخلاقية ليست «مكتشفات» في نسيج الكون بل «بناءات» تنشأ من التفاوض البشري المستمر. بهذا المعنى، حين نقول إن الطب الذي يُبقي على حياة المرضى أو القوانين التي تحمي الضعفاء «أفضل» من تركهم لمصيرهم، فنحن لا نكتشف حقيقة كونية بل نُعلن التزاماً جماعياً بقيم اخترناها: تخفيف المعاناة، توسيع دائرة من نعتبرهم جديرين بالاعتبار. لكن هذا الموقف يواجه اعتراضاً فورياً: إذا كانت القيم بناءات بشرية، فلماذا يجب أن ألتزم بها؟ ما الذي يمنع مجتمعاً آخر من «بناء» قيم مغايرة تماماً والادعاء أنها صحيحة بالقدر ذاته؟ هنا يصبح السؤال الحاسم: هل نستطيع الدفاع عن قيم بعينها دون الادعاء بأنها مكتوبة في السماء أو محفورة في طبيعة الأشياء؟


الجواب الذي يبدو أكثر تواضعاً وأمانة هو أننا «نراهن» على قيمنا بدلاً من أن «نبرهن» عليها، لكنها مراهنة ليست تعسفية ولا عمياء. نحن نختار القيم التي يمكننا تبريرها بالحجة والمنطق، ونختبرها في الواقع بنتائجها الفعلية على المعاناة والازدهار، ونُخضعها للنقاش الجماعي والمراجعة المستمرة.


حين يقول ستيوارت-ويليامز إن «فعل الصواب كثيراً ما يعني السير ضد الانتخاب الطبيعي»، فهو يصف هذه المراهنة الواعية: نحن نقرر أن التعاطف الذي نشعر به يستحق أن يُترجم إلى فعل، ليس لأن الكون أمرنا بذلك، بل لأننا حين نفحص البدائل ونقارن بين عوالم ممكنة، نجد أن عالماً يُقلل المعاناة ويوسّع الفرص أفضل، بمعيار نستطيع تبريره عقلياً والدفاع عنه أمام الآخرين، من عالم يتركنا للصراع الأعمى.


هكذا تتضح ملامح موقف أخلاقي متواضع لكنه قابل للعمل: نرفض الطبيعة كمرشد، ونعترف بأن قيمنا بناءات بشرية، لكننا لا نستسلم للنسبية المطلقة التي تُساوي بين كل الخيارات. بدلاً من ذلك، نتمسك بأدوات التفكير الأخلاقي المتاحة لنا، وهي المنطق والتجربة والتعاطف والحوار الجماعي. ولا يعني هذا بالضرورة رفض الإيمان؛ فالمؤمن قد يرى في هذه الأدوات تعبيراً عن حكمة إلهية أودعها فينا، فيما غير المؤمن يراها منتجات تطورية، لكن كليهما يستخدمان الأدوات ذاتها ويخضعان لنفس معايير المحاججة. نقبل أن أحكامنا الأخلاقية قابلة للمراجعة والخطأ. «القرد الذي فهم الكون» لم يجد في فهمه إجابات نهائية، بل وجد نفسه مُلزماً بصياغة إجاباته الخاصة مع إدراكه أنها مؤقتة. قد يكون هذا أقل إشباعاً من يقين يدّعي الإطلاق، لكنه ربما الموقف الأكثر صدقاً مع شرطنا: كائنات تبني قيمها وهي تعلم أنها قد تخطئ، لكنها تفعل ذلك لأن البديل ليس الحياد النزيه، بل الصمت أمام المعاناة.