الاجتهاد حق والنجاح نصيب
بقلم :د. آلاء أسعد صديق فرغلي
دكتوراه في الادارة التربوية-تخطيط التعليم واقتصادياته
نحن نفكر من حيث نعلم أو لانعلم، وأيا كان إدراكنا، لايكف الانسان عن التفكير أبدا فحتى أثناء نومنا تحدثنا أمهات تفكيرنا؛ آمال وأحلام أو مخاوف وأسرار، كل ذلك مخزونة في قلوبنا وعقولنا وهو مايشكلنا. الحقيقة أن هذا كان أحد مواضيع البحث الفلسفي في علمي الأنطولوجيا والأنثروبولوجيا لمعرفة جوهر هذا الكائن المفكر الذي يسمى "إنسان"!؛ وجدير بالقول أن علم الأنطولوجيا هو علم الوجود وهو البحث في ماهو موجود، فعلى سبيل المثال تأمل طاليس في أساس وجود الأشياء المادية في الطبيعة فوجدها ضمن ثلاث حالات: صلبة، وسائلة، وغازية، ولكن السؤال الوجودي هنا: ما أصل ذلك كله؟ أجاب طاليس إنه "الماء" فالماء هو الأكثر ترشيحا ليكون أصلًا لكل ذلك فهو بطبيعته سائل بالأصل، ويمكن تبخيره إلى الحالة الغازية، ويمكن تجميده إلى الحالة الصلبة؛ إذن أصل وجود كل هذه الماديات من حولنا هو الماء، كذلك السر في وجود الحياة من حولنا، فلو بحثنا عن سر الحركة من حولنا بافتراض أن الحركة تتم في ضوء القصور الذاتي المعروف بمصطلح "Hylozoistic" وتعني حرفيًا ذاتي الحركة، فستكون القدرة على التحرك كامنة في المواد والأشياء الساكنة، ولكن في واقع الحياة كلنا نعلم أن كل شيء كان هامدًا لايتحرك إلا لموجد حركته، ولو كان القصور الذاتي صحيحًا لتحركت السواكن بدون سبب، وهذا غير منطقي؛ فنحن نعلم أن الأشياء التي تتحرك يوجد من يحركها فأغصان الأشجار تتحرك لأن الهواء يحركها، والعجلة تتحرك لأن محرك السيارة يحركها والمحرك يتحرك بفعل الوقود وكل ذلك بسبب تحريك الإنسان لمفتاح السيارة لتشغيلها، والانسان نفسه فيه جوهر يحركه، هذا الجوهر لابد أن يكون دائم السريان والحركة إنه ببساطة الماء!! هذا التفكير العميق في أصل الأشياء هو جوهر الأنطولوجيا!
وعن الجوهر تحدث أرسطو قائلًا: إن الجوهر "أوسيا" (οὐσία) باليونانية وبالانجليزية "عنصر" (Substance) هو مايجعل الشيء على ماهو عليه وإن تغير ظاهره فالإنسان له كينونة وإن تغير طوله أو عمره يظل جوهره مميزا، وبحسب أرسطو فجوهر الإنسان هي النفس العاقلة أو الناطقة، وهي ما تجعل الإنسان يتميز عن غيره بأنه "حيوان عاقل أو حيوان ناطق" وفضيلة هذا الإنسان وسعادته تتحقق إذا حقق غايته فالانسان كائن غائي له غاية تتصل بوجوده، ولكن هل الغائية من وجود الانسان هي التفكير؟! لأن الشيء المستمر الوحيد الموجود مع الإنسان هو تفكيره فالانسان يظل يفكر ويفكر ولايتوقف عن التفكير، بل إن أحد أمثالنا الشعبية:"العبد في التفكير والرب في التدبير" يعكس جهد الانسان في السعي والتخطيط، بل إن الانسان إذا أجتهد فلايلومه ضميره إن لم يحقق العمل غايته، وحتى في ظل غياب الوعي الصحي أو الرضا قد يبتكرالإنسان إسقاطات لا تتهمه لأنه يعتقد أنه غير مذنب لأنه أجتهد.!!!
وإن تأملنا في ذلك سنجد أن ما يجعلنا نشعر بالراحة في الحقيقة هو الإجتهاد، وليس النجاح، فصوت ضميرنا حتى إذا نجحنا يظل يلاحقنا؛ والاجتهاد الصادق النزيه هو الذي يشعر الإنسان بلذة النجاح. نحن نعلم يقينا أن ضمير الانسان مستيقظ طوال الوقت وإن كذب وإن سرق وإن ظلم،و إن لبَسَ التهم، وكذب على نفسه بالأدلة.... حيث يظل ذاك الضمير يلاحقه...يحدثه، ويلومه، وحتى لو غيب الحقيقة دماغه الكاذب أوما يعرف علميًا بالقشرة الدماغية (Cerebral Cortex) ؛ فالجوهر العاقل أو مايعرف بالجهاز الحوفي للإنسان(limbic system of the brain) بريء، وصادق، ولا ينكر الحقيقة بدليل أن لغة جسدنا قد تفضحنا في إيماءات أيدينا وأجسادنا، أو تلعثم ألسنتنا او نظرات عيوننا، نحن نفقد السيطرة في حين نعتقد أننا مسيطرون!! ونحن نكذب الحقيقة وإن كانت كاملة، ورغمًا عنا يكشفها ضميرنا؛ وكأن الضمير هو المحرك الأول لجوهر الإنسان؛ فالضمير ليس شيئا ماديا يمكننا لمسه بل هو قدرة لا نعرف سرها موجودة في باطن الإنسان تصورها أخلاقه وتصورها معرفته الداخليه.
الحقيقة أن بعض الفلاسفة مثل سقراط وأفلاطون فسروها بأنها فطرية بقولهم: الضمير هو "الوعي أو الصوت الأعلى داخل الانسان" وبعضهم فسره بأنه ذاتي يعود للإنسان نفسه مثل كانط القائل بأنها "محكمة العقل الأخلاقية"، أما سارتر فرآها شعور بالحرية والمسؤولية، وعلى إختلاف وجهات النظر فإننا نعلم أن ضميرنا هو ما يحركنا. والحقيقة أننا نميزه بالفطرة التي فطر الله الناس عليها وفي قوله تعالى:" بل الانسان على نفسه بصيره ولو ألقى معاذيره" فالمُنكر لضميره يعرف في قرارة نفسه الحقيقة، وحتى لو ظل يغطيه، وينكره فإنه سيلاحقه حتى في أوقات غفوته، بل إن كلمة (cover) بالانجليزية التي تعني غطاء وتشبه في نطقها كلمة كلمة "كفر" هي نفسها المصطلح السيرياني القديم (kāpūrūṯā) الدال على "المزرعة"، أو "الأرض الزراعية" لأن البذور تتم تغطيتها تحت التراب، وهو نفسه المصطلح العبري (kaporet) "غطاء التابوت" أو "غطاء تابوت العهد"، ومن هنا نعرف أن الإنثروبولوجيا تفسر وجود الإنسان وهي مرآءته التي تقول لنا لماذا تطور، وكيف تطور، وكيف كان، وماذا أصبح، وتقدم لنا الكثير من التفسيرات العميقة لكلمات الأمس، ولألفاظ اليوم، ولمعاني الغد....
والسؤال الآن هو أين يقع الضمير في عقل الإنسان هل هو ملموس أصلًا؟! هل هو في دماغ الإنسان، أم في خلايا عضلة قلبة أم في المناطق الصامته في الدماغ التي يُعتقد أنها كانت تعمل قديما والتي لو عملت لشغلت العديد من الوظائف الدماغية الغامضة الغائبة عنا اليوم أو التي نعتقد أنها خيالية ولم نجد لها تفسيرًا مثل: الوعي السابق، والوعي اللاحق، والتخاطر، وغيرها التي قد تمتد لقوة التدمير من خلال نظرات العين أو لمسات خفية.
إن عقل الإنسان آله عجيبة أبدعها الله، وفيها سر التأمل بل إن هناك قدرات بشرية لايوجد لها تفسير علمي حقيقي مثل ظاهرة " التشابك الحسي" (Synesthesia) حينما يحفز أحد الحواس تجربة حاسة أخرى بشكل لامنطقي وغير مفهوم، فعلى سبيل المثال بعض الأشخاص يرون اللون الأحمر إذا سمعو صوتًا صارخًا، أويربطون الأرقام بألوان معينة مثل الرقم ثلاثة يرتبط باللون الأصفر وحرف الألف يرتبط باللون الأزرق، و صوت المطر يرتبط باللون النفسجيي، أو يرسمون شكلًا معينًا عند سماع نغمة ما، وهي قدرة دماغية متقدمة جدًا، وربما ساهمت الطبيعة في تشكيلها لدينا كمبصرين فحينما نسمع صوت خرير الماء نتصور اللون الأزرق، وحينما نسمع الرياح نتصور اللون البني كلون الرمال المتحركة مع الرياح وهكذا، لكن ليس هذا هو جوهر الظاهرة فأفضل من يمتلكها هم المكفوفين سواء وُلدو بلا رؤية، أو أصابهم العمى بعد أن كانو مبصرين، فهم يصفون ألوانًا فاتحة للنغمات العذبة الهادئة، ويصفون ألوانًا داكنة للنغمات الصاخبة والمزعجة هم مبدعون في التشابك الحسي الذي لا نعرف كيف تشكل لديهم، وحتى أحلامهم تظل محيط غامض لا يمكننا نحن المبصرين تصوره، فإن من يرى ويسمع يدرك الحقائق من خلال حواسه، بسهولة وبدون إجتهاد، أما من لا يرى ولا يسمع فهو يجتهد ليدرك الحقائق، وعلى الرغم من ذلك كانت النتاىج عكسية فبحسب "علم الأعصاب الإدراكي" (Cognitive Neuroscience) أظهرت دراسات جامعة مونتريال، و معهد (MIT) أن المكفوفين منذ الولادة يمتلكون تمييزًا صوتيًا أدق بـ 30% إلى 40% من المبصرين، وأثبتت دراسات جامعة روتجرز أن الصم لديهم مجال بصري جانبي أوسع بحوالي 25% من السامعين وغيرها من الدراسات التي يطول ذكرها؛ وهذا يجعلنا نؤمن أن الإجتهاد حق والنجاح نصيب، فأن تجتهد هذه هي الحقيقة الصادقة وحينها سيرتاح ضميرك حتى إن لم تنجح في بلوغ مأمولك وهو حال أفضل بكثير من نجاح بلا إجتهاد يظل ضميرك يوبخك عليه في كل وقت إن سمحت له، أو ينغزك في كل مناسبة إن حاولت إسكاته.