البقعة السوداء

٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥
alaa
دورات تدريبية القيادة الإدارية إدارة التغيير القيادة التخطيط مهارات

البقعة السوداء

بقلم :د. آلاء أسعد صديق فرغلي

دكتوراه في الادارة التربوية_تخطيط التعليم واقتصادياته


في صباح هادئ، دخل المدير مكتبه، فلفت نظره بقعة صغيرة سوداء على الجدار، كانت صغيرة، لكنه شعر أنها تُفسد المشهد كله!! استدعى عامل النظافة وقال له: نظّف الأرضية بالكامل، ونظّف الممر كله، لا أريد أن أرى أثرًا للأوساخ.

عمل العامل بجد، وغُسلت الأرضيات، ولمع الممر، وصار المكان ناصعًا.

عاد المدير بعد ساعات، ألقى نظرة فاحصة، ثم رفع عينيه إلى الجدار… البقعة ما زالت هناك!!

تجهم وجهه، واستدعى عامل النظافة مرة أخرى، وقال بنبرة غاضبة: ألم تنظف كما طلبت؟ أجاب العامل بهدوء: نعم يا سيدي، نظفت الأرض والممر كلهما!!

عندها أدرك المدير أن المشكلة لم تكن في الأرض ولا في الممر، بل في تشخيصه الخاطئ للمشكلة... صمت المدير لحظة، ثم أدرك خطأه، لقد طلب جهدًا كبيرًا في المكان الخطأ، لأن المشكلة لم تكن في الأرض، بل في الجدار.

جلس المدير على كرسيه، وتأمل البقعة مرة أخرى، وفكر كيف أننا نتعب كثيرًا لأننا لم نُحدِّد المشكلة بدقة!!

ومنذ ذلك اليوم، أصبح أول سؤال يطرحه قبل أي توجيه: أين المشكلة فعلًا!؟

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن هنا!! لقد كان الجدار أبيضًا ناصعًا، وتلك البقعة السوداء لم تكن لتلفت الانتباه لو لم يكن المكان شديد النظافة والوضوح؛ فالبقع السوداء لا تظهر إلا على الصفحات البيضاء، وعادة لا يُلاحظ الخطأ الصغير إلا عندما يكون الأداء عاليًا، فالأخطاء البسيطة لا تظهر إلا عند الأكفاء!! فلكل جوادٍ كبوة، ولكل موظفٍ هفوة، لكن الفرق بين مديرٍ ناجح وآخر متعجل هو: هل يرى الخطأ فيُصححه… أم يضخّمه فيُحبط صاحبه؟ إذا كنت مديرًا فأسأل نفسك بصدق: هل أتحمّل أخطاء موظفيّ وأعالجها بهدوء وبساطة؟ أم أبالغ في ردود فعلي، فأجعل من بقعة صغيرة أزمة كبيرة؟

ثم لماذا لانغير سؤالنا من: من أخطأ؟؟ إلى :كيف نُصلح الخطأ دون أن نكسر من صنع النجاح؟

نحن نحب البدايات لا لشيء يميزها سوى أنها ناصعة البياض، وكأننا ننسى او نتناسى أن البقع السوداء هي من تصنع الخبرة التي تمحوها ويطغى على الصفحة بياضها!!